مرحبا بالزائر، يمكنك تسجيل الدخول أو تسجيل جديد.
 
  • ماكينات
  • خيوط

دلالات إضرابات الغزل والنسيج

دلالات إضرابات الغزل والنسيج

الاهرام : امينة شفيق

منذ عام 2007 لم تتوقف الاضرابات والاعتصامات في وحدات الغزل والنسيج في مصر. وهي التحركات والتي دائما ما تأتي اكبرها وأشهرها من وحدة مصر المحلة للغزل والنسيج، وهذا هو اسمها الحقيقي كما أطلقه طلعت حرب عليها عندما بدأ لتأسيس هذه الصناعة فورا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. توالت الوزارات وتوالت الاضرابات وجرت المفاوضات التي كانت دائما ما تدور حول الأجور والحوافز وانتظام دفعها ورفع قيمة الوجبات وتغيير القيادات، كما كانت تدور في نفس الوقت حول مطالب العمال الهامة التي كانت تقضي بإجراء عدد من الاصلاحات الادارية وزيادة ضخ بعض الاستثمارات الحكومية وتجديد بعض الآلات وإصلاح بعض نظم العمل. ولكن كان الاعلام يركز دائما على المطالب المهمة للعمال تماما كما كانت تفعل الحكومة دون الخوض في حقيقة اسباب تدهور هذه الصناعة المهمة الكثيفة العمالة والقائمة على اشباع حاجات اجتماعية وفي الوقت ذاته تسهم في زيادة صادرات مصر.

وباختصار ما هي هذه الصناعة التي تسبب صداعا مجتمعيا حولها. ونأخذ مصر المحلة نموذجا لها. انها شركة مصرية كانت تشغل حتى نهاية حرب اكتوبر 1973 عدد 33 ألف عامل وعاملة، كما كانت اكبر شركة لصناعة وتصدير الغزول المصرية. والآن يكفي القول أنها تشغل 20 ألف عامل فقط وأن نسبة عالية من آلاتها لا تعمل بسبب عدم تجديدها ولعدم توافر المواد الخام والغزول وأنها تملك مخزونا سلعيا في المخازن تصل قيمته إلى 772 مليون جنيه وتحقق خسارة قدرها مليار جنيه سنويا وأنها تفتقد لوجود عملاء مستوردين يشترون مخزونها.

والسؤال الأول هو: ما الذي أوصل هذه الشركة ومعها كل وحدات الغزل والنسيج التي كانت مملوكة للقطاع العام إلى هذه الحالة التي باتت تهدد أي وزارة جاءت إلى مصر أو سوف تأتي إلى مصر؟. والسؤال الثاني هو: هل كانت تلك الحكومات تعلم حقيقة المشكلة؟ أم أنها كانت تعلم وتتجاهل؟

بالقطع كانت كل الحكومات تعلم هذه المشكلة وجذورها. على الأقل كانت تعلمها من العمال ذاتهم عندما كانوا يجتمعون بالوزراء ورؤساء الشركات القابضة للتفاوض حول اسباب اضرابهم وسبل العودة عنه.

تم تأميم هذه الشركة مع اخواتها شركات الغزل والنسيج الأخرى عام 1960 مع تأميم بنك مصر وشركاته. كانت شركة مصر - المحلة للغزل والنسيج تحقق ارباحا قبل التأميم واستمرت تحقق أرباحا بعد التأميم.

الذي جرى أن المنظومة الاقتصادية المخططة تخطيطا متماسكا قبل التأميم وبعده (أي قبل عام 1960 وبعده) تفككت وتناثرت. فصناعة قومية كهذه توظف آلاف العمال وتنتشر في كل المحافظات التي تملك مقومات توفير الخامة والمناخ والعمالة وتعتمد على سوق قومية كبيرة وعلى طلبات تصدير تقليدية بحكم امتلاكها لميزة نسبية كما ترتبط (وهذا في غاية الأهمية؟) بزراعة وتوفير خاماتها المحلية بأسلوب سهل ومنظم، هذه الصناعة الكبيرة كانت تحتاج من الدولة الاهتمام بطرق تطويرها بما يتلاءم مع متطلبات المستهلك الجديد دون الاخلال بالمنظومة القديمة المخططة التي استقرت عليها هذه الصناعة.

ثم نقدم نموذجين للخلل الذي حدث في المنظومة القديمة التي أحاطت بهذه الصناعة الوطنية. كان الأول عندما فتحت السوق المصرية في سبعينات القرن الماضي لنموذجين لاستيراد الاقمشة. في البداية من خلال العمل بسياسة الاستيراد بدون تحويل عملة ثم بعدم التمكن من وقف أو محاصرة عمليات تهريب الاقمشة المنافسة لإنتاج هذه الصناعة الوطنية تحديدا من السوق الحرة في بور سعيد. كان هذا من أوضح نماذج احداث الخلل لتفكيك هذه الصناعة.

كان النموذج الثاني في الزراعة عندما ألغت الدولة عام 1992 الدورة الزراعية التي كانت تطبق على الزراعة المصرية من الشمال الدلتاوي إلى الجنوب الصعيدي. وكان ذلك ضمن حزمة سياسات تحرير الزراعة. وبناء على الغاء الدورة الزراعية تركت الدولة الحرية للفلاح زراعة المحصول تبعا لإرادته. وطالما كانت الحيازات الزراعية في مصر قزميه ولا تزيد عن الفدان في 80 منها فإن المزارع الصغير هذا بدأ يتجه إلى الزراعات التي تدر عليه دخلا أكبر.

وفي الوقت الذي كانت مصر تفقد فيه هذه الخاصية المهمة كانت صناعة الغزل والنسيج المصرية تفقد أهم دعائم نجاحها ومكونها المحلي وهو القطن خاصة قطن جيزة 86، أفضل الاقطان لاستخداماتها الغزلية والنسيجية. ومع سيطرة الانسجة المستوردة واختفاء القطن المناسب ثم عدم تجديد آلات المصانع تراجعت الصناعة وبدأت الحركات العمالية.

لذلك لم يكن غريبا، على الأقل على القريبين من مشاكل صناعة الغزل والنسيج، أن يقوم عامل نقابي في شركة مصر - المحلة للغزل والنسيج وهو عبدالعزيز حسنين بالمطالبة بعودة الدورة الزراعية التي تسمح بعودة تلك الزراعات القطنية المجمعة الكبيرة في ريف مصر، وبشرط أن تنظيم الدولة بشرائه "أي القطن جيزة 86 من الفلاح بالسعر العالمي وتغلق باب استيراد القطن السوري والهندي".